
«من أغرب الظواهر في مجتمعنا أن يكون الإنسان وحده قوياً متحمساً، فإذا التقى بثان وثالث وتألفت منهم لجنة ما، هبط مستوى القوى إلى النصف أو الثلث، وربما كان هذا الالتقاء سبباً في توقف العمل وعطب ثماره».
هذه العبارة العميقة وردت في أحد مقالات فضيلة الشيخ محمد الغزالي رحمه الله. إن الشيخ الغزالي وبإحساسه المرهف استطاع ترجمة الخلل الاجتماعي الذي بات مسيطراً على سلوكياتنا كأفراد في مجتمع يحتاج إلى تكاتف جميع فئاته من أجل أبنائه.
إن روح التعاون التي باتت تنحسر يوماً بعد يوم من الآفات الفتاكة التي تنخر أسس الحياة الاجتماعية، ويذكر لنا التاريخ أن كثيراً من عظماء هذا العالم يرجعون الفضل في تميزهم إلى الجماعة، فها هو العالم نيوتن يقول «إذا كنت قد استطعت أن أرى أبعد من غيري فلأنني وقفت على أكتاف عدد كبير من العمالقة».
وليس أقرب الأمثلة التي يجب أن نقتدي بها إلا عالم النمل، فالنملة التي توشك على الغرق لا يمكن لبقية أفراد النمل تركها والتخلي عنها، فيتآزر الجميع مصطفين كالطوق حولها رغبة في انتشالها مما هي فيه، وروح التعاون المغلفة بحب الإيثار تتجسد في حياة النمل وعالمه، هذا العالم المذهل الذي يقوم في جميع معاملاته على التعاون والتماسك الصلب.
وفي وقتنا الحاضر قد نجد كثيراً من الأفراد يبدؤون بالاتحاد لتحقيق أحد الأهداف النبيلة المؤمنين بها، ولكن المفاجأة التي تحدث أن الأطماع الشخصية والطموح الجارف غير السوي والرغبة في الاستحواذ تبدأ في الظهور، مما يدفع بهذه الرابطة إلى الهاوية وطمس الهدف النبيل الذي كانت تسعى إليه.
وفي بعض الأحيان يكون الجهل والحماقة الآفتين المسيطرتين على روح التعاون كما تذكر لنا قصة الذين ركبوا السفينة فانقسموا إلى نصفين أحدهما في القسم العلوي والآخر في الجانب السفلي، ولجهالة النصف الثاني بدؤوا يحاولون ثقب السفينة، لأن ذلك الجزء يخصهم مستنكرين وغير مبالين لغضب النصف العلوي.
إن الروح الطيبة هي الروح النبيلة التي تدفع بصاحبها إلى فعل الخير والتفاني والتعاون في سبيل تحقيقه مبعدة عن ناظريه أي مصلحة أو مطمع شخصي.
وقد أمرنا الله في كتابه الكريم أن نتعاون على البر والتقوى وألا نتعاون على الإثم والعدوان، ولكن الواقع يعكس أننا أصبحنا لا نتعاون على البر والتقوى فحسب، بل لا على الإثم والعدوان أيضاً، لأن روح التعاون قد قضينا عليها بأيدينا.
وقد لا يستدعي الدهشة في وقتنا الحاضر أن نجد بعض الآباء يقومون بتربية أبنائهم على الأنانية وعدم مد يد العون لمن يحتاجها، ويقومون بتغذية عقولهم بعبارة «نفسي .. نفسي»..
ولنا في رسول الله (ص) أسوة صالحة بقوله «إن لله خلقاً خلقهم لحوائج الناس، يفزع الناس إليهم في حوائجهم أولئك الآمنون من عذاب الله».
من مصر